التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أكره القاهرة!!


صديقي القاهريّ، كم أغبطك...
إنك لا تمانع أن تقضي نصف يومك في المواصلات، تعرف كل الأماكن والشوارع تقريبًا، تتنقل في القاهرة الكبرى كما تتنقل في منزلك، حتى أظنك تحفظها كراحة يدك، بينما أنا أضل الطريق دائمًا، وأتوتر من كثرة المواصلات.

 وأنت يا صديقي قد اعتدتَ حيوية المدينة، اعتدتَ الشوارع الكثيرة المتفرعة، وكثرة السكان، والسيارات، والمحلات، والحياة الصاخبة...

دعني أخبرك أنني لست مثلك أبدًا، ولن أصير مثلك على الأرجح حتى بعد كل السنوات التي قضيتها هنا.
فما زال قلبي يا صديقي معلق هناك، في قلب الصحراء من حيث أتيت، في مكان لم تسمع به يومًا.

على عكسك كان عالمي ليس به سوى أب وأم وأخوة، والكثير من الرمال على مد البصر.
فعندما كنتَ تلعب بألعابك في شرفة منزلك، كانت أمي تهرول نحوي لتلتقطني بسرعة بينما كنت أحبو نحو "عقرب" أردت إمساكه لألعب به.

كبرت قليلًا وانضاف إلى عالمي المدرسة التي كان والدي مدرسًا بها، كنت دون سن المدرسة ولكن هذا لم يمنعني من التجول بين أرفف المكتبة، أختار كتابًا ملونًا وأركض به نحو أمي التي كانت تقرأه لي بلا ملل.

أعرف فيما تفكر...
لا، لم يكن لي أصدقاء من سني، ولا من طلبة المدرسة، أولئك كانوا منعزلين في مساكنهم عنا كثيرًا، ولم يميلوا أبدًا لقضاء الوقت معي، فلا أنا أعرف لهجتهم "البدوية" ولا هم يحبون "الأغراب" كثيرًا.

لا تأسف عليّ هكذا، لم أكن أدرك حتى حاجتي لقضاء الوقت مع أطفال آخرين، كانت الكتب بالنسبة إليّ عالمًا خياليًا واسعًا، تمامًا مثل السماء فوقنا.

حل حدثتك عن السماء التي أعرفها؟
كانت تبدو وكأن شخصًا نثر فيها غبارًا مضيئًا، فهي مليئة بالنجوم بشكل رائع لا أظنك رأيته إلا في الأفلام.
كانت أمي تشير إلي نجمة حمراء وتقول أنها المريخ، لقد علمتني أمي ما هو المريخ ومتى يظهر بينما كنتَ أنت تتعلم ألوان إشارة المرور.
هل أخبرتك كم أكره منظر السماء هنا؟

أترى أن عالمي غريب؟ لكنه كان العالم الوحيد بالنسبة إليّ، أما كل ما وجدتَه حولك كطفل كان بالنسبة إليّ "كذبة" يلفقها "فرج المُسعف" الذي كان تقريبًا صديقي البشري الوحيد.
"فرج" كان يخبرني قصصًا "أسطورية" عن كل شيء في عالمك، عن القطارات، والسيارات الكبيرة التي تقل الكثير من الناس وتدعى الواحدة منها "اتوبيس"، عن المباني ذات الطوابق المتعددة، وعن غرف معدنية تساعد الناس على الصعود إلي الطوابق العالية جدًا، وعن صندوق صغير يعزف الموسيقى بمجرد أن تفتحه!!
كل هذا كان محض "كذب" وتأليف من خيال "فرج"، تمامًا مثلما كتبي مليئة بالخيال والعالم السحريّ.
ولولا عمل "فرج" كمسعف لظننت أنه مصاب بمرض ما يجعله يهلوس.

ثم ها أنا ذي وسط الكثير من البشر، أركب السيارة الكبيرة المسماة "اتوبيس"، وأستخدم الغرف المعدنية التي تساعد الناس في الصعود للطوابق العالية، أتمنى بشدة أن أحصل على صندوق صغير يصدر الموسيقى، وأشاهد السماء الخالية من النجوم، أسير في شوارع ممهدة وضيقة مهما اتسعت، وما زال كل هذا كذبة بالنسبة إليّ.
ما كان يجب أن أصادق مُسعفًا على أية حال...

وأنت....
هل تسحرك القاهرة؟ هل تعشق شوارعها ومبانيها وأضواءها؟

وهل تستطيع النجاة بين الرمال والجبال كما نجوت أنا بين الإسمنت والأبراج!!



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العمل الحر

عندك هواية التصوير.. بتنشر صورك على «الفيس بوك» و«إنستجرام» وبتعجب أصحابك ، تعرف انك تقدر تشتغل «فريلانسر» في مجال التصوير الفوتوغرافي؟ وتبيع صورك المميزة على مواقع عالمية، وتستغل موهبتك في زيادة دخلك؟ متستغربش في كتييير من أنحاء العالم بيشتغلوا فريلانسر من خلال بيع الصور . كل اللي عليك أنك تصورصور مميزة وتشترك في موقع مختص ببيع الصور وترفع عليه صورك، ودي بعض المواقع اللي تقدر تشتغل عليها في بيع صورك. موقع  ShutterStock من المواقع العالمية المشهورة والموثوقة لعرض الصور، وأي عميل يقدر يعمل اشتراك شهري أو سنوي فيه، وينزل الصور اللي هيحتاجها، وطبعًا أنت تقدر تعرض صورك على الموقع، والعميل اللي هيحمل صورتك تاخد أنت نسبة من الربح بيوضحها الموقع. وطبعًا الموقع ليه شروط في الصور اللي هترفعها عليه، أنها تكون بصيغة JPG ولا يقل حجمها عن 4 ميجا بيكسل. وتقدر تسحب أرباحك من خلال البنك الإلكتروني «باي بال» أو «سكريل» أو شيك بيتم إرساله من خلال البريد على عنوانك، وتقدر تشترك في الموقع من خلال الرابط.  https://www.shutterstock.com/ موقع  imagekind من المواقع المهمة اللي ت...

وسواسي القهريّ الغريب

«ماذا يكن رئيك لو قرات هذة ألجمله هكذا» هل تشعر بسوء؟ هل تزعجك؟ لا أعرف عن انطباعك، لكنني لا أستطيع أن أمر عليها بعيني دون أن أقول لنفسي: "هذه الجملة تحوي ستة أخطاء نحوية وإملائية"، وإذا كانت مكتوبة على ورق لربما أمسكت قلمًا وصححتها، ولكن أغلب الأحيان أتوقف على الرصد فقط. لماذا -بالله- لا يضبطون الكتب قبل طبعها؟ تلك عادتي القهرية، وهي عادة مزعجة جدًا، فكثيرًا ما يحدث أن أندمج مع الكتاب حتى أكاد أكون بداخله، ثم "بوووم طاااااخ" يأتي خطأ مطبعي ويفسد كل شيء، تمامًا في اللحظة التي يجتاح فيها المغول مدينة بغداد، أو يبدأ الشمع في أجنحة "إيكاروس" في الذوبان. لا مشكلة لدي إذا أسقطت همزة قطع، لن أستاء، ولن أعاتبك إذا كتبت التنوين فوق الألف أو أسقطته تماما، فتلك أشياء تحدث من قبيل السهو غير المتعمد، ولن تضر شيئًا في الحقيقة. لكن أي شيء على الأرض يدفعك لوضع همزة مكان ألف الوصل؟ وأي شيء يسمح لك بكتابة (شيئ) هكذا؟ وأي قوة في الأرض تملكها أنت لتكتب كلمات مثل «أنتِ، ولكِ» بالياء عوضًا عن الكسرة؟ ومن خوّلك لتكتب الياء ألفًا مقصورة؟ ثم ماذا عن كل الأخطاء ...